الشيخ محمد رشيد رضا

141

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما ذكر مع ذلك وتعديده ما عدد ؟ قيل وجه تكراره ذلك - وان كان تحريم ذلك إذا مات من الأسباب التي هو بها موصوف وقد تقدم بقوله « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ » - أن الذين « 1 » خوطبوا بهذه الآية كانوا لا يعدون الميتة من الحيوان الا ما مات من علة عارضة به غير الانخناق والتردي والانتطاح وفرس السبع ، فأعلمهم اللّه ان حكم ذلك حكم ما مات من العلل العارضة ، وان العلة الموجبة تحريم الميتة ليست موتها من علة مرض أو أذى كان بها قبل هلاكها ، ولكن العلة في ذلك انها لم يذبحها من أحل ذبيحته بالمعنى الذي أحلها به اه وقد أيد رأيه هذا برواية عن السدي في المنخنقة وما بعدها قال : هذا حرام لان ناسا من العرب كانوا يأكلونه ولا يعدونه ميتا انما يعدون الميت الذي يموت من الوجع فحرمه اللّه عليهم الا ما ذكروا اسم اللّه عليه وأدركوا ذكاته وفيه الروح . اه وقد أخطأ ابن جرير في سياقه هذا بما ذكر من العلة وبالتعبير فيه بلفظ الذبح بدل لفظ التذكية الذي هو تعبير القرآن ، والتذكية أعم من الذبح كما سيأتي ، وقد ثبت ان المتردية في بئر إذا طعنت في أي جزء من بدنها فكان ذلك هو المتمم لموتها عد تذكية وحل أكلها . وما هو بالذي يجهل هذا ولكن الاستعمال الغالب ينسي الانسان غيره أحيانا فيعبر به ، وقد يريد به المثال . ثم إن عبارة السدي التي رواها عنه لتأييد قوله تفيد ان بعض العرب هم الذين كانوا لا يعدون ذلك من الميتة ، وهي أخص من عبارته هو . وأقول إنه ليس المراد بذلك انهم لا يعدونها من الميتة لغة بل المراد ان العرب كانت تعاف أكل الميتة الا ان بعضهم كان لا يعاف منها الا ما جهل سبب موته ، واما ما عرف كالمنخنقة والموقوذة الخ ما ذكر في الآية فلم يكونوا يعافونه وجملة القول في أصل المسألة أن اللّه تعالى أحل أكل بهيمة الأنعام وسائر الطيبات من الحيوان ما دب منه على الأرض وما طار في الهواء وما سبح في البحر ولم يحرم على سبيل التعيين الا الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل به لغير اللّه . ولما كان بعض العرب يذبح الحيوان على اسم غير اللّه وهو شرك وفسق وبعضهم يأكل بعض أنواع الميتة بل كان بعضهم يأكل كل ميتة سهل ذلك

--> ( 1 ) هذه الجملة خبر قوله : وجه تكراره . وما بينهما اعتراض